سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 3 )

فقال النبي عليه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى هذا المشهد : كم ظلمنا إخواننا ، يقصد الأنصار هم الذين يدافعون عنا ، هم الذين يقدمون التضحيات ،  هذه الكلمة جعلت طلحة يهتز من داخله وأخذ يقاتلهم كما يقاتلهم ذالك الجيش العرمرم ليبدي شجاعة فائقة ، في مقاومة هؤلاء لوحدهم ، وهو في غمرة هذا القتال ، فإذا بسهم يريد أن يصافح عنق النبي عليه الصلاة والسلام ، سهم من المشركين فقام طلحة ورفع يده ليصده فإذا بأصابعه تتطاير ،  من أثر ذاك السهم ، هذا كله في لحظات  فالنبي عليه الصلاة والسلام يرى مجزرة أمامه ، مجزرة لأصحابه أمام عينيه ، أصحابه تساقطوا وبدأت الأعداد تتكاثر من الشهداء في هذا الموقف فقط ، أبو بكر رضي الله عنه وبقية الصحابة بدؤوا  يركضون ، أبو بكر كان يرى رجلاً شجاعاً مقداماً كان يقاومهم ، فقال أبو بكر وهو يرى الرجل عن بعد كن طلحة بأبي أنت وأمي ، كن طلحة بأبي انت وأمي .

 

كان يعرف طلحة جيداً ويعرف بأنه فارس مغوار لا يشق له غبار وإذا ما دخل في معركة ودخل في صفوف فإنه لا يتراجع ولا يتقهقر ويبدي من الشجاعة والإقدام وهو يرى هذا الرجل فيقل كن طلحة فداك أبي وأمي ، ولما اقترب فإذا هو طلحة ، كانه قال لم تخيب ظني هكذا عرفتك يا طلحة ، لما مضوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بذاك الوضع المؤلم ، المؤسف وقد أصيب عليه الصلاة والسلام ، قال عليه الصلاة والسلام : دونكم أخاكم فقد أوجب أي أذهبوا إلى طلحة فقد قدم الذي عليه يقول أبو بكر : فذهبنا إليه فإذا فيه بضعة وسبعون ما بين طعنة ورمية وضربة وإذا بأصابعه قد قطعت ، تخيلوا يا أخوة عندما تجدوا إنسان قد تلقى جسده مثل هذا العدد الضخم كم واجه وكم قاتل وماذا فعل فقد قدم هذه الصورة الرائعة من صور التضحيات ، الطعنات تحدثك عن شجاعته ، وعددها المهول تحدثك عن إقدامه ، وقد لقى كل الألوان من ألوان المعاناة قد حكها جسد طلحة ، إنه تلقى كل أنواع الأسلحة فجسده يحكي كل ذلك ، فانتبهوا إليه وحملوه ، حينما وجدوه قد سقط رضي الله عنه وأرضاه ، طلحة هنا أيها الأحبة كانه قام بما قام به أهل بدر ، مهلاً يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: أعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ، فهكذا كان طلحة ايها الأحبة ، قد جمع مجد الجهاد  ومجد التضحية ومجد أن يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله ، وهذا مؤشر على أن هذا الرجل كان يترقب الجنة في أي لحظة ولسان حاله يقول :

سأحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى

فأما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيض العداء

هكذا كان نشيدة وقصيدته التي يترنم بها ، ولما قدم مثل هذه التضحيات النبي عليه الصلاة والسلام ، قد علم من شانه ما علم ، فهو رجلٌ قد قضى نحبه ، ويكفي أيها الأحبة أنك تعرف أنه العشرة المبشرين بالجنة ، وتعرف أيضا انه من الستة ( من أهل الشورى ) الذي مات عليه الصلاة والسلام وهو راضٍ عنهم ، وكان احد الثمانية من أوائل من أسلم ودخل في دين الرب جل وعز ، في هذا الدين العظيم ، وحينما نقول أنه أوائل من أسلم أيها الأحبة لهؤلاء مزية لن تجدها بغيرهم ، وإلا لما فضل هؤلاء على غيرهم ، لماذا كان لهم ذلك الحضور في كلام النبي عليه الصلاة والسلام وفي مدحه وثنائه ، الذين أسلموا مبكراً أيها الأحبة هم الذين قدموا التضحيات ، لكن حينما تجد أن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجا وقد استقر الإسلام وكانت له تلك المكانة والمنعة والقوة ، ثم يأتي من يأتي ليدخل نعم هو خير أن تدخل لكن دخلت في وقت متأخر ، فالذين أسلموا مبكراً هم الذين قدموا التضحيات ، فكان طلحة من هؤلاء الذي عانى ، ولذا تجد أن حجم معاناته ما بقيت في أجواء مكة ، مع التعذيب والتنكيل والسخرية والاستهزاء ، بل تجد أن معانته الحقيقية قد بدأت في العهد المدني ، وهذا من الأمور القليلة أن ترى معانات الإنسان قد وجدت في الحياة المدنية ، أغلب المعانات كانت في العهد المكي ولكن حينما تقرأ سيرته الرسول صلى الله عليه وسلم تجد أن المعانات في العهدين  ( المكي والمدني ) .

فهكذا كان طلحة رضي الله عنه وأرضاه فأين أنت من هذه الشخصية ، أين انت من البذل والإنفاق ، نحن لا نتحدث عن جهاد في النفس ، نحن نتفهم الأوضاع في وقتنا المعاصر ، لكن نحن نحدثك عن المال عن البذل عن الإنفاق عن الخير الذي تقدمه للناس ، هل تمتلك هذه النفس الرائعة؟ ! ، التي تؤدي زكاة مالها وتقدم الصدقات وتدفعها لخدمة الإسلام لمراعاة الفقراء والمحتاجين والمعوزين ، هل تمتلك هذه اللذة في العطاء ، ويكون الله قد حباك خيراً والمال ، والمال مال الله ، هذا يجب أن تفهمه جيداً فنحتاج حقيقة إلا أن نستذكر هذه الأحداث والقصص قصة طلحة قصة عثمان ثم تجد أنهم كانوا يتزاحمون في مثل هذه المجالات .

استيقظت المدينة يوماً على جلبة ( صوت ) ، فخرج الناس بغبار يتطاير في الأفاق من من قالوا : هذه قافلة لعبد الرحمن بن عوف  قد قدمت من الشام ، أقبل الناس فإذا سبعمائة من الإبل فيها من الخير والحبوب والملابس، فأسرع تجار المدينة يريدون ان يشتروا هذه البضاعة .

فقالوا يا عبدالرحمن: بكم تبيع هذه القافلة.

قال لهم : بكم تشترون ؟

قالوا ياعبد الرحمن: نعطيك الدرهم بدرهمين ، (مائة في المائة ربح ).

قال عبدالرحمن : لقد وجدت من يعطيني أكثر.

قالوا : نعطيك الدرهم بثلاثة دراهم ، قال : لقد وجدت من يعطيني أكثر ، قالوا : نعطيك الدرهم بأربعة دراهم ، قال : وجدت من يعطيني أكثر .

قالوا يا عبدالرحمن : نحن تجار المدينة ، ونحن أعلم بثمنها ، ولن تجد تاجر يقدم لك أكثر مما قدمنا .

قال عبدالرحمن بن عوف : لقد وجدت من يعطيني إلى مائة ضعف ، إلى أضعاف مضاعفة ، ثم قرأ ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة   ) أخذ يحدثهم بهذه الآية يقدم عليهم.

قال : أعلموا أني قد جعلتها في فقراء المدينة ، ومساكينها فما مضى ، غداة ذلك اليوم حتى وزعت القافلة بين الفقراء والمساكين ،

فخرج الناس يقولون : سقى الله ابن عوفٍ من سلسبيل الجنة .

بعض التجار قد يقول ما أغبى عبدالرحمن ، كان بإمكانه أن يبيعها بأربعة أضعاف ثم يأتي بأربع قوافل على غرار هذه القافلة ، فيعم الخير الناس كلهم ويوزعها أضعاف مضاعفة ، لماذا فوت تلك الفرصة (العقلية التجارية)،  أو انه يستفيد من واحد ، والثلاثة ينفقها في سبيل الله ، لن تلوم من يفكر بهذه الطريقة ، لكن عبدالرحمن وغير عبدالرحمن من الصحابة ، كانوا يشعرون باللذة وهم يقدمون العطاء ، يرون أن هذا الوقت فرصه لكي يقدموا الخير، حتى يأنس بقية حياته ، أنت الآن قد تنفق قد تعمل خيراً هل تشعر بلذة العطاء وأنت تنفق وأنت تقدم ، هنا الفرق أيها الأحبة بعض الناس قد يدفع على مضض ، قد تراه متلكأً في الإنفاق والبذل ، قد تراه أحيانا يتحسر إذا ما خرج الريال من جيبه ، يفكر كيف يعوضه في زكاة يؤديها أو في صدقةً أحرج لكي  يقدمها .

أما أصحاب رسول الله لم يكونوا  كذلك ، لذلك استحقوا أن يكونوا بمثل هذه المكانة وهذا المدح أيها الأحبة ، لا يمنع أن تضفر به أنت ، نعم النبي عليه الصلاة والسلام ليس موجوداً الآن ، حتى يحدثنا عن فلان وفلان كيف قضى نحبه ، هل ما ضره ما فعل بعد اليوم ، لكن قد تكون أنت مع هؤلاء ، تنال من المدح والثناء وقد تتفاجئ يوم القيامة ، وخاصة أحبتي دائما أقول فتش عن مجال ، عن مكان تتحصل من خلاله على الأجور ، في أمر تحبه أو أنه لا يتعبك ، طلحة خاض مجالين ، أما الثانية فكلنا يتردد جهاد ان تبذل نفسك ، لكن ماذا عن الأولى ، بعض الناس قد تجده علاقته مع الله ضعيفة في مجال العبادة ، فأنت مثلاً لا تصوم الأثنين والخميس ، لا اصوم يوم وأفطر يوم ، أنا لا اقوم الليل ، ثلاثة عشر ركعة ولا احدى عشر ركعة لكن ممكن ، أن أظفر بالأجور من خلال الصدقة ، لماذا لا يكون هذا المجال هو المجال الذي أبني جبال من الحسنات في هذا المجال؟! انت لازم تبحث عن مجال تحبه وتخدم دين الله من خلاله ، الدعوة إلى الله ، أحيان قد تكون ضعيف في العبادة ، لكن من خلال الدعوة دعوة الناس إلى الخير ؛ أن تتهتم بالشباب أن تربي الشباب هذا خير كثير .

لذا أقول أيها الأحبة ، ما أعظم هذا الدين وأحيان وأنا دائماً أخاطب نفسي بهذه القضية ، أحيان تجد في بعض التشريعات وفي بعض الأمور، عليه الصلاة والسلام يطلب منك تكليفاً ، أو يكلفك بأمر تشعر بتلذذ وانت تقوم به ، صحيح أن الصلاة ليست أمراً سهلاً ، الزكاة ليست أمراً سهلا  ، الصيام والحج ليست أمراً سهلاً ، هذا لابد أن نقر به يحتاج منك حقيقة ، أن تجاهد هذه النفس ، لكن قد تجد أموراً منك سبحان الله لو لم تؤمر بها لقمت بفعلها ، من ذلك لما قام النبي عليه الصلاة والسلام منها ما قال النبي صلى الله  عليه وسلم ( من عال جاريتين حتى تكبرا ) إذا أهتممت بأبنتيك علمتهم وربيتهم فستكون مع النبي عليه الصلاة والسلام كهاتين ، أنا أقف كثيراً مع هذا الحديث أقول سبحان الله ، ابنتي قطعة من فؤادي ، قلبي الذي ينبض ويمشي على الأرض ، أتألم وأبكي لو أصابتها شوكة ، وأجمل سني حياتي حينما أنظر إلى بسمتها ، ثم يحدثك النبي عليه الصلاة والسلام إن أهتمت بها ، فأنت معه في الجنة ، ما أعظم هذا الدين حينما تأتيك مثل هذه الأمور ، فتش عن بعض هذه الأوامر التي انت تحبها ، فمن خلالها يغدك عليك من الحسنات والأجور ، صحيح إن الساحة أحياناً تريد شيءٍ أخر ، هناك تجد نقص في مجالات معينة ، نتمنى أن نسده ، لكن على أقل الأحوال إن وجدت أنك غير قادر على طرق هذه الأبواب ، ابحث عن أمور أخرى لذا تجد أيها الأحبة كم أعجب ببعض الشخصيات تجار تجالسهم لا تراه كثير عبادة ،  ولا ترى أنه قد تميز بعلم ، ولا ترى أنه ذلك الحضور الجارف في الدعوة ، لكن سبحان الله تجد أن خيره قد بلغ فجاج الأرض وبقاعها .

أنا أذهب كل سنة إلى أفريقيا وأزور بعض البلاد ، تتفاجىء حينما تدخل بعض الأحراش ، يحدثونك عن فلان هو الذي بنى هذه المسجد ، هو الذي أقام هذا المركز ، هو الذي حفر ذلك البئر ، ثم تبحث عن فلان وانت لا تعرفه ، فتراه رجلاً من أغمار الناس ، تراه رجلاً بين قوسين (عامي ) ، وصل إلى تلك الأحراش ، هو اكتشف نفسه هناك في البذل والعطاء ، كما فعل طلحة ابن عبيد الله ، فما اعظم أيها الاحبة أن تفتش عن نفسك ، وأن تمضي كما سار هؤلاء ، وحينما تقرأ عن سير هؤلاء لا تقرأ كأنك تشاهد فلم جذاب وقصص مثيرة ، تعيش حالة إثارة وقتية ، ثم بعد ذلك يزول بعد ساعة أو ساعتين ، سير الصحابة أحبتي ليس فلم مشوقاً تقلب القنوات فتظفر بمشهد تمثيلي ، ودراما جذابه ، ومواقف مثيرة ، تأنس بها وقد تنتزع منك دمعات تصافح خدك ، لكنها تنتهي بعد ساعة أو ساعتين ، قصص الصحابة لا نأتي بها لكي نسحب دموعاً ، ثم تنسى ، قصص الصحابة إنما أوتي بها ، لتمضي على سيرتها ومنوالها ، فتذكر ( من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) .

اللهم أتي أنفسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

 

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 1 )

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 2 )