سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 2 )

 

حينما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : أو رأيت بشراً قد ولد من غير أب ، إن كنت صادقاً أتينا بمثله ، قدم له صورة نادرة ، صورة ما عرفت من قبل ، أن يولد إنسان بلا أب فالنبي عليه الصلاة والسلام سكت ، ليترقب الوحي الذي يقدم له الجواب المقنع ، فنزل قول الله جل وعز ( إن مثل عيسى عند الله كمثل أدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) النصارى كانوا يعرفون جيداً ، كيف كان آدم في الأرض هل ولد من آب ؟ هل ولد من أم؟  يعون جيداً ، كيف جاء آدم إلى الأرض هل ولد بأب هل ولد بأم ؟ لكنهم يتلاعبون ، ويراهنون بزعمهم على جهل النبي عليه الصلاة والسلام وجهل العرب في جزيرتهم، أنهم لا يعلمون هذه المعلومة جاء الوحي وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام ، إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، ثم مضوا معه في جدال عقيم ، حتى دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لأمر عجيب غريب ، ما كان معروفا ، دعاهم للمباهلة ، أنتم الآن تحاورون وتناقشون ، وتزعمون أنكم تمتلكون الحق ، وأن ما تعلنونه هو الصواب ، لنتباهل إلى الله ، وأتت تلك الآيات في سورة آل عمران ( فمن حاجك فيهم من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) تزعمون أيها النصارى أنكم على الحق ، وأنني على الباطل إذن نبتهل ، وهذا لا يضيرك ما دمت تعتقد أنك تمتلك الحق وناصية الحق وأن الباطل لا يأتي لكلامك ، لا يمنع أن تباهل هذا الذي يتحداك فقال عبدالمسيح : يا محمد دعنا نتشاور فيما بيننا ، فجتمع مع السيد ومع ابي حارثة بن علقمة ، وأخذوا يتحدثون ماذا يفعلون فجرى حديث.

حتى نطق زعيمهم عبدالمسيح قال يا قوم والله ما باهل قومٌ نبياً إلا أهلكهم .

قال تريدون هلاكاً ، أن نهلك أن نموت ، وألا نعقب بعد ذلك ، لنمضي إلى محمد وليختر ما شاء ماعدا الإسلام ولن نباهله ، فمضوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قالوا:  يا محمد بما تأمرنا ،  ولا نريد أن نسلم .

قال: الجزية تدفعون .

قالوا: نعم لك ما شئت وسنعود إلى بلادنا فأرسل معنا رجلاً أميناً ، تثق به .

فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل معهم ابا عبيدة ابن الجراح  قال : أبو عبيدة أمين هذه الأمة. هؤلاء هم النصارى أيها الأحبة ، فالرهب حينما نطق وتحدث مع طلحة ، هو يتحدث بلسان النصارى جميعاً ، فمنهم من أمن ومنهم من جحد هذا ، مع أنه في داخله يؤمن بمصداقية نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقل في مثل ذلك عن اليهود كانوا أكثر وضوحا في نُطقهم بمصداقية النبي عليه الصلاة والسلام لكنهم ، قد ابدوا امتعاض ورفضاً ،  وتعاملوا على أنها مسالة تحدي ، ونفسية موتوره فرفضوا أن يستجيبوا لهذه الدعوة. طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه بلا تردد ولا تلكؤ ، دخل في دين الله عز وجل في هذا الإسلام العظيم ، قلت لكم أيها الأحبة أن طلحة قد جمع مجدين ، مجد الإنفاق ومجد الجهاد ، أما الإنفاق فأسمع .

دخلت عليه زوجه مرةً تقول:  فدخلت عليه فوجدته مهموماً ، فسألته ما شأنك يا طلحه .

قال : هذا المال عندي قد كثر فأهمني وأكربني .

ما هذه اللغة ألسنا نشعر بسعادة غامرة إذا رأينا أرقام فلكية في أرصدتنا ، إذا وجدت أن الأموال تأتيك زاحفة ، بدون تعب ولا نصب ، أن ترى الملايين تجري بين بيديك ، اليست السعادة عند كثير من الناس قد ارتبطت بالمال ، لكن طلحة يتحدث بلغة أخرى ، ” هذا المال عندي قد كثر فأهمني وأكربني ” ، وأحياناً أيها الأحبة الهم يأتيك بأنك تفكر بزادك وأولادك ، لو كان الأمر مرتبط بشخصك لهان الأمر ، ولتعاملت مع هذا المال بأي صورة حتى تطفي عليك السعادة ، كأن تقوم انت بالتبرع به طالما هو يؤدي إلى هم عندك ، لكن عندك الأولاد والزوجة.

فقالت الزوجة : لا عليك قسمه قسمه ،

ليتجاوز المشكلة وخرج فنادى الناس ثم وزع هذا المال  الذي كان عنده على الجميع.

وأتاه رجلٌ مرةً فناشده برحم بينهُ وبينه أخذ يذكره بالرحم ، ينشده الله والرحم ( أنشدك الله والرحم ) .

فقال طلحة : يا هذا هذا حائطي (هذا بستاني ) ، بمكان كذا وكذا ، وقد أعطيت به مائة ألف درهم ، وسيصل المال عشية ، فإن شئت المال وإن شئت الحائط ،

قال أنت بالخيار ، تريد أن أعطيك مائة الف درهم ثمن الحائط ( البستان ) ، أو أنك تأخذ البستان ، من يتعامل بهذه اللغة ، فيدل أن المال لا قيمة له ، نعم المال كان بيده ، لا بقلبه ، الإنسان نعم يبحث ويتاجر ، ويعمل ويجد لكن إياك أن يخترق المال قلبك ، عندها تضيع ، لكن لو أبقيت المال بيدك تتحكم به دون أن يؤثر على قلبك وإيمانك وصلاحك ، وتقاك ، فنعم المال هذا المال .هكذا كان طلحة .

وباع مرة ، أرضاً بثمن مرتفع ، فأخذ يبكي وهو يرى كومة المال أمامه ، ثم قال : إن رجلاً يبيت وهذا المال في بيته ولا يدري ما يطرق له ، لمغرور بالله ، ثم خرج ودعى الناس ووزع هذا المال .

يقول جابر ابن عبدالله رضي الله عنه يقول : ما رأيت أحداً يقدم المال من غير مسألة ، كما رأيت طلحة ، كان أكثر الناس براً ، بأقاربه وأهله ، إذن هكذا هو المال يقدمه .

ونذكر هنا عثمان الذي ظفُر بذاك الكلام الرائع ، ” ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم” وهكذا هو طلحة زاحم عثمان رضي الله عنه في هذه المنقبة ، وهو يقدم هذا المال الذي بين يديه ، ليقدمه لأهله وأقاربه ومن كان محتاجا ، وماذا عن مشابهته لأهل بدر ( لأهل بدر أهل الجهاد) ، تعالوا أيها الأحبة لنشرف على ذاك الموقف ، ومواقفه كلها رائعة ، لكن سأقف مع هذا الموقف الجميل ، تعالوا نمضي إلى أحد ، وها هم الصحابة رضي الله عنهم ، يتلقفون في أوائل هذه المعركة ، النصر يشعرون به ، وهم يرون أن فلول قريش تفر أمام أعينهم والغنائم ها هي منثورة على أرض أحد ، فمضى الصحابة يأخذون الغنائم ، ثم خالف من خالف من كان على جبل الروماة ، من نزلوا وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم كان خلف الجيش يقوم بترتيبه وتنسيقه ، في غمرةِ ذاك الأنس والفرح في ذاك النصر الذي تحقق في البدايات ، وانت ترى أعداد ليست قليلة من المشركين قد تساقطوا ، وأن المسلمين ما استشهد منهم إلا عدد قليل جداً في تلك الفترة ، فإذا بخالد بن الوليد كان مشركاً ذلك الوقت ، وكان راساً في قتالهم وكان هو القائد المحنك والنبيه الذكي ، فإذا به يلتف خلف الجبل ، ثم يصرخ بأعلى صوته ليستنهض همم المشركين وقريش حتى أتى بهم والتف خلف الجبل وحاصر الجيش (جيش المسلمين ) من الخلف ، من كان في الخلف الرسول صلى الله عليه وسلم ، جيش المسلمين في الأمام ، وخالد بن الوليد بجيشه بأعداده الكبيرة من الخلف ، من سيقابل ؟ سيقابل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام فرفع صوته فقال : إلي أيها الناس ، إلي أيها الناس ، أنا رسول الله ، يدعوهم ، تعالوا .

خالد بن الوليد سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه ، فُرصه إذا ما قتل النبي عليه الصلاة والسلام سينتهي الإسلام في وقته المبكر ، فالنبي عليه الصلاة والسلام رفع صوته يدعوا الناس يدعو اصحابه أن يعودوا هاهو الجيش قد أتى والنبي عليه الصلاة والسلام كان معه قلة قريبة من تسعة من الصحابة كانوا معه ، أغلبهم من الأنصار يقول طلحة : رأيت النبي عليه الصلاة والسلام وسمعت صوته ، فقطعت أطول مسافة مع قصرها حتى أصل إليه ، وتأمل هذا التعبير الرائع ( أطول مسافة مع قصرها ) ، لأن السيوف كانت مُشرعة ، تريد أن تنهش من جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، والرماح كانت متوقدة تريد أن تغرس نفسها في جسد النبي عليه الصلاة والسلام ، يريد أن يقطع هذا المسافة بين سيوف ورماح تريد أن تقتص من النبي صلى الله عليه وسلم ، مع قصرها يريد أن يسير ، فكانت أطول مسافة ، لهذه المسافة القصيرة جداً ، فوصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، المشهد لا مكان فيه للجبناء لا مكان فيه لمن يتاجر, فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه المكان وقلة وطلحة وسعد بن ابي وقاص ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما اقترب الجيش قال : ملّ للقوم من يردهم وله الجنة ، قال طلحة : أنا ، قال كما انت يا طلحة : لا ( لا تذهب يا طلحة ) فخرج فقاتل رجل من الانصار أشد ما يكون من قتال فسقط شهيداً ، ثم عاد الجيش لينال من النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ملّ للقوم من يردهم وله الجنة ، فقال طلحة : أنا قال كما أنت يا طلحة ، فخرج رجل من الأنصار ، فخرج الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ومضوا شهداء ، حتى أتى السابع وهو عُماره بن يزيد بن السكن ، وكان شاباً من الأنصار خرج وقاتلهم كما يقاتلهم الأسد الهصور ثم أصيب فسقط ثم أخذ يزحف يزحف حتى وصل إلى قدمِ النبي عليه الصلاة والسلام ، فأحتضن قدم النبي عليه الصلاة والسلام ، والصق خده برجل النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم فارق الحياة شهيدا .

 

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله الجزء الأول ( 1 ) 

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله الجزء الثالث ( 3 )