سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 1 )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعين  ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه  وسلم تسليماً كثيرا أما بعد

النبي صلى الله عليه وسلم كان جالس بين أصحابه فنظر إلى رجل فقال : من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض ، وقد قضى نحبه فلينظر إلى هذا الرجل .

النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن إنسان قد تجاوز الدنيا ومعاصيها وذنوبها ، فقد قضى نحبه ، وهي إشارة إلى قوله جل وعز( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)

وأعظم ما يجده صحابي ما ، أن يظفر بمثل هذا الأمر فقد عرف مأله ومصيره ، بأنه قد قضى نحبه ووفى نذره وتجاوز الدنيا .

النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يغدق على أصحابه بمثل هذا ، فتجد أن الصحابي قد تلقوا شيئا من هذا الكلام الرائع الجميل ، ويشعر أنه قد تجاوز الدنيا بذنوبها كما كنا نراه في ذلك الموقف الرائع ، لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي إلى تبوك  في تلك الغزوة الشهيرة فتح باب للتبرع ، وانتم تعلمون ما كان من محنة وألم في ذاك الوقت ، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يعانون من ضائقة ، ومن قلة المال الذي ما كان متوفراً .

حتى جاء عثمان بن عفان فدفع مائة من الأبل بأحلاسها وأقتابها قدم مائة من الأبل بما فيها من العتاد والعدة والحبوب ؛ بما يساعد المجاهد حينما يمضي  إلى تبوك ، ثم قدم مائة ثانية من الأبل بأحلاسها وأقتابها ، ثم قدم مائة ثالثة من الإبل بأحلاسها وأقتابها ، عندها تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال :ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.

عثمان هو بشر سيتصرف كما يتصرف البشر، ويخطأ كما يخطأ البشر ، ولن يكون معصوماً ، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.

كان بإمكان عثمان أن يتكع على هذا الكلام الجميل الرائع ، ولكن انظر إلى الهمة العالية ، وإلى لذة العطاء ، حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفع المائة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة ، تسعمائة من الأبل قدمها في سبيل الله ، ثم قدم مائة فرس أيضا في سبيل الله ، “ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم” حضي بهذا المدح لما أنفق في سبيل الله .

ثم ترى صورة أخرى في مشهد أخر وهذه المرة لمجموعة شاركوا بأمر معين ، حظو بمثل هذا الكلام الجميل ، لما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم ، مرة عن أهل بدرٍ فقال  وكان يتحدث في خطاب واضح لعمر رضي الله عنه ، في القصة الشهيرة في قصة حاطب بن ابي بلتعه ، لما أفشى سر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أهل مكة بأن النبي صلى الله عليه وسلم : قادم لفتح بلادهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى أن عمر يريد أن يقتص من حاطب قال : مهلا يا عمر مهلا يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدرٍ ، فقال أعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ،

تلحظ هنا أن المغفرة جاءت نتيجة لبذل مُهجاً وجهاد ، في أول مواجهة مع معسكر الكفر ، في بدر ، في تلك اللحظات الحاسمة والحازمة ، فبدر كانت قد تعلقت بجهاد وعثمان الذي قد ظفر بهذه المكانة  قد تعلق بإنفاق ، فكيف برجلٍ قد جمع المجدين كليهما ، وهو طلحة بن عبيد الله جمع  الإنفاق والجهاد ، من سَره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه ، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله .

 

من طلحة ومن يكون؟

كان شاب يافع ، مضى في تجارة له إلى بصرى الشام ( من بلاد الشام )، فلما كان في ذاك السوق العامر ، فإذا براهب في صومعته يقول : سلو أهل هذا الموسم أفيهم رجلٌ من الحرم ، الراهب من أهل بصرى ، يقول : سلو هؤلاء الذين أتوا إلى مدينتنا هل فيهم أحدٌ من مكة ، فقال طلحة وكان شاباً قال : أنا .

قال الراهب : هل ظهر فيكم أحمد ؟

قال طلحة : ومن أحمد .

قال الراهب : أحمد أخر الأنبياء ، وهذا الشهر موعد خروجه ، مخرجه من الحرم (يقصد مكة)، ومُهاجره إلى نخل  وسِباخٍ وحر( يقصد المدينة ) ، أي أنه سيخرج من مكة وسيهاجر إلى المدينة.

طلحة يسمع هذا الكلام ، وما وعاه جيداً ، وقد أتى من مكة ولم يرى إنساناً قد ظهر.

يقول طلحة : فعدت مسرعاً ، ودخلت مكة ، فقلت أيها الناس  هل كان من حدث؟ هل كان من حدث؟

قال الناس : نعم ، محمد بن عبدالله الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة.

وهنا يحدثون طلحة عن رجلين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي تحدث عن الناس قائلاً : بأنه نبي ورسول ، وأن الذي تبعه في أول أمره ابن أبي قحافة ( ويقصدون بذلك أبا بكر رضي الله عنه )  .

لماذا أنتقوا أبا بكر؟

أبو بكر أيها الأحبة من بني تيم ، من نفس البطن الذي يرجع إليها طلحة بن عبيد الله ، وطلحة من بني تيم أيضاً .

فمضى طلحة إلى أبي بكر فقال له : يا أبا بكر اتبعت هذا الرجل.

قال : نعم .

يا إخوة ، أبو بكر رضي الله عنه لما كنت تقرأ في سيرته في أول يومٍ بعث عليه الصلاة والسلام ، وفي ثاني يوم والذي يليه ، كأنك تشعر أن النبوة قد نزلت على أبي بكر ، من النشاط المحموم الذي كان يبديه الصديق ، في تفاعله في هذه الدعوة ، تقول سبحان الله كأنه هو النبي ، في ذلك الجهد الذي بذله وفي تلك التضحيات التي قدمها ، وعندما تنظر في اليوم الثاني ماذا فعل ؟ أسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة ، من ضمنهم طلحة .

لذا نجد أن طلحة رضي الله عنه ، قد تحدث مع شخصية أبا بكر لماذا كان مؤثراً؟ قال واصفاً أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، يقول طلحة : كان أبو بكر الصديق رجلاً محبباً موطأ الأكناف ، كان رجلاً سهلاً هيناً .

ثم يقول طلحة : وكان تاجراً ، ذا خلق.

وهذه مسألة مهمة للغاية ، قد تجد أشخاص ذا اخلاق وقيم ولكن عند المال تتغير النفوس ، بإمكانه أن يقدم لك معسول الكلام ، وأن يقدم لك من الأخلاق والعبارات والسلوكيات القويمة ما تطرب له الأذن ، تأنس به النفس ، لكن عن المال ، عند الدرهم والدينار تتغير الأحوال ، لذا أنظر وصف طلحة رضى الله عنه ” كان تاجراً ذا خلق ” ، وأبو بكر رضي الله عنه عندما تقرأ في سيرته تقدر أن تقول أنه في ذلك الوقت ، من الممكن أن نصفه أنه كان وزيرا المالية لقريش ، وتعلمون أن مكة ما حكمها إنسان واحد ، اخر ملك قد حكمها هو قصي بن كلاب ، ثم بعد ذلك حكم قريش بطونها ، فكانت المناصب توزع على البطون ، فوزارة المالية كانت لبني تيم ( أبا بكر ) ، وزارة الخارجية ( لعمر بن الخطاب)، فقد كان هو سفير قريش في المهمات في الحوارات في المناظرات في المعاهدات وهكذا  ، وكان تاجراً ذا خلق ، ثم يقول طلحة : وكنا نألفه ونحب مجالسه لعلمه بأخبار قريش وأنسابها (نأنس بالجلوس معه ) ، وهكذا الشخصيات الناجحة اجتماعيا تفرح بالجلوس معها ، بعض الناس قد تراه طيباً خلوقاً ، لكن ما أن تجالسه لمدة ساعة أو ساعتين تشعر بشيء من الممل لا تجد حديث تطرب له ولا يسامرك ، ولا يتناول جملة من المواضيع المشتركة ، تشعر بشيء من الممل .

ابو بكر لا ، جمع الخلق الرفيع ، وكان تاجراً وكان أيضا إذا ما جلس أطرب الناس بحديثه الرائع ، وبأخباره الجميلة ، ولذا يغشاه الناس من كل مكان ، طلحة لما رأى أن أبا بكر قد أسلم ، وهو الذي يصف بهذا الوصف ، مضى إليه سريعاً ، يا ابا بكر اتبعت الرجل ، قال : نعم  قال : فلننطلق إليه ، حتى أدخل عليه وأتبعه ، ثم حكى لأبي بكر ما سمع من الراهب ، دخل طلحة على النبي صلى الله عليه وسلم ، و أسلم بلا تردد ، ثم قال له ما الذي قاله : الراهب  في بصرى الشام ، فسر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يرى خبره يتردد هناك في صومعة قد جلس فيها نصراني ، يؤمن بمصداقية النبي عليه الصلاة والسلام ، نعم أيها الأحبة النصارى في ذلك الوقت كانوا يعون جيداً ،أن نبي سيبعث كما كان في حال اليهود ، لكنك تعجب وأنت ترى حالة تعجب وتلكؤ بل حالة رفض ومحاربة  يبديها النصارى، وهم يعون أنه النبي الذي بعثه الرب جل وعز ، والراهب حينما حكى حكى  بلسان النصارى ، انهم كانوا يترقبون موعد خروج النبي عليه الصلاة والسلام ،  وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ،ولذا ترى صورةً تحتاج منا أن نتأملها لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى نصارى نجران يدعوهم إلى الإسلام ، بل وخيرهم بين الإسلام والجزية والقتال ، فقامت نجران وأرسلت وفداً ، قوامه يقترب بين ستين رجلاً  من زعامات النصارى ، يرأسهم رجل كان يلقب بالعاقب ، وكان أسمه عبد المسيح ، وكان معهم الأيهم وهو الذي كان يدير القافلة ويُعنى بها ، وكان يلقب بالسيد ، بالإضافة إلى ابي حارثة بن علقمة ، وكان أُسْقفاً ورجل الدين فيهم ، مجموعة كبيرة أقبلت ، بزعامة هؤلاء الثلاثة ، نصارى عرفوا بالتدين ، والمعرفة الاصيقة بكتابهم الإنجيل ،  وبكاتبهم المقدس كما يسمونه ، أتو ولبسوا الحرير وتختموا بالذهب ، ودخلوا على النبي عليه الصلاة والسلام ، فأبغض النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشكال ، بحريرٍ يلبسونه وبذهب يتختمون به ، وأنتم تعلمون أنه محرم على الرجل أن يلبس ثوب حرير ، أو أن يلبس خاتماً من ذهب ، هو محرمٌ على ذكور هذه الأمة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشاح بوجهه ، ورفض أن يجلس معهم ، فخرجوا ، وقد فهموا الرسالة جيداً ، فخلعوا ما عليهم من لباس ، ولبسوا ثياب الرهبان ثم مضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما دخلوا أخذ يدعوهم إلى الإسلام .

فقالوا : لقد كنا مسلمين قبلك ، صدقوا صدقو .

لو كانوا ما زالوا يتبعون الدين الذي نزل به المسيح عليه السلام دون تحريف ، لكنهم في ذلك الوقت قد تمردوا على تلك التعاليم ، وقد عاشوا حالة كفر وشرك وزندقة ، حينما عبث بدينهم من عبث كبولس وغيره ، الذين غيروا من التعاليم ما جاء به سيدنا عيسى عليه السلام ، فقالوا : لقد كنا مسلمين قبلك ، أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل؟  كانوا يعلمون ، لكن ذاك  التعريف ، وذلك التمرد على هذه التعاليم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قالوا له ما قالوه حكى لهم عن حقيقة وضعهم .

قال : يمنعكم من الإسلام ثلاثٌ ، عبادتكم للصليب ، وأكلكم لحم الخنزير وزعمكم أن لله ولدا ، هذا الذي يمنعكم من الإسلام .

دعوكم من هذا الكلام المعسول ، وهذه المتاجرة بالكلمات والأحرف ، الذي يمنعكم هو هذا ، والعجيب أيها الأحبة حينما تقرؤون عن عيسى عليه السلام ( المسيح ) حينما ينزل في آخر الزمان يقول النبي عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده ، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ، حكماً مقسطا ، ما الذي يفعله؟

يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، يركز على هذه القضايا , هذه القضايا التي حكى عنها النبي صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن وأقع النصاري في وقتهم .

ثم قالوا له : إنك تشتم صاحبنا يقصدون عيسى وتزعم أنه عبد الله .

قال النبي عليه الصلاة والسلام : نعم هو كذلك ، هو عبدالله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

فما راق لهم هذا الكلام ودخلوا في جدال عقيم .

 

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 2 )

سيرة الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ( 3 )