رحلة اليتيمة

 

لم تكن بلاد الثلج نعيماً  يرسخ في الوجدان فيجعله يطفو على الفتنة التي أعيش وسطها الآن، ظننتهم سيرحمونني سيتعاملون معي كشيء جديد يطل عليهم لأول مرة ، كفتاة ليس من عرقهم ، ولا تملك بشرة سوداء ولا عيون بنية اللون واسعة وشديدة البياض.

ظننت وأنا أتدثر بالسواد جالسة بجوارهم في سيارة الليموزين بعد نزولي من الطائرة، أني أسير إلى أهلٍ وظيفتهم هي احتوائي أنا وماجد.

ما زلت أتذكر كيف قبض ماجد على أصابع يدي وهو لا يريد أن يتركني بعد انتهاء أول ثلاثة أيام في بيت جدي وجدتي، فقد قال عمي أبو فيصل أنه من الأفضل لماجد أن يتربى وسط الرجال.

وبدت زوجة عمي هذه طيبة، فقد تلقته من يدي إلى حضنها مباشرة وقبلته واحتضنته كما كانت أمي تفعل.

شعرت بأن ماجد خائفاً منها جداً، فقلت له بالإنجليزية لا تخاف، وقد فهم جملتي بينما تغيرت ملامح وجه زوجة عمي وانقلبت إلى السوء وهي  ترمقني، فربما ظنت أني أقول له لا تذهب معهم!

ومضت الدقائق الأخيرة بين انفصالي وماجد كأنها سيوف من الآخرة قطعت لحمينا ليتشتتا!

كان ماجد في آخر سن الخامسة، وأقنعت نفسي في أول ليلة أقضيها بعيدة عنه أنني فعلت الصواب فأنا لا  أعلم شيئاً عن الأمومة مثلما تعرف زوجة عمي ، ولكن ماذا لو حاورهم بالإنجليزية ؟! هل سيعاقبونه ؟

أثارني هذا السؤال حتى طلبت من جدتي أن تتصل عليهم كي أهاتف ماجد، لكنها علت صوتها وهي تنفرني من جوارها وتقول : عليك أن تتركيه أن يتعود على عائلته الجديدة!

**

كانت جدتي دمثة، سمراء البشرة وسمينة جداً ولا تتحرك من الأريكة إلا لقضاء حاجتها وبقية شؤون المنزل تديرها خادمتين فلبينيتين.

صبرت نفسي، فقد قال جدي أن العائلة كلها تجتمع في المنزل كل يوم جمعة بعد صلاة الظهر، لذلك عددت الأيام الباقية، فوجدت أن يوم واحد هو ما يفصلني عن أخي.

وجه “ماجد” ناصع البياض ، عيناه الزرقاوين العميقتين ، برودته التي تشبه بلاد أمي ، جعلتني أشتاق له، لأقبل جبينه بلا هوادة.

من متى كان الفراق حتمياً ليخترق جدران الحياة دون طرق مسبق فيأتي فاجعةً مقيتة، تترك أثارها الشعواء بي ، دون رأفة أو رحمة!

منذ اتصلت السفارة السعودية في بريطانيا بجدتي وجدي ، وأنا لستُ التي عرفتها طوال حياتي! كأنني أمسيت بين عشية وضحاها كرة غولف يتم ضربها من جميع جهاتها لتسير وتتدحرج.

كان مقيتاً يوم وصولي إلى مطار جدة بشعري، فأول ما وجدته هو عيون تحدق بي، عيون كثيرة  تقتنص جسدي وملامح وجهي الذابلة ووجه أخي !

وقفت في صالة الانتظار و أنا أرفع ورقة مكتوب عليها اسمي “رهف السالمي” ليطأطأ رجلٌ وجهه في الأرض ويأتي نحوي هو وامرأته التي تسحبني من يدي وهي تردد بالعربية التي فهمتها :” إلى الحمام ”

أخذتني إلى دورة المياه ولم تنبت ببنس شفة، بل أخرجت من كيس نايلون كبير عباءة سوداء فضفاضة وكبيرة وضعتها على أكتافي وصارت تؤشر لي أن أرتديها، ثم حين خضعت لإشاراتها، أحنت رأسها  وأخرجت من حقيبتها شالٌ أسود ولفت رأسي به ثم سحبتني لأخرج.

طوال الطريق ، كان الصمت جاثماً جداً، ولا أعرف من هؤلاء بالضبط ولا من سوف أقابل!

أتذكر كيف وجدت عزاءً كبيراً أمام بيت جدي، ووجدت في صالة كبرى نساء يرتدين مثلي سواد كثير ، وكانت في المنتصف إمرأةً كبيرة السن قد اغرورقت بالدموع ، عرفت حين انتهى الليل أنها جدتي وهذا عزاء والدي وحده دون أمي !

صُعقت! حين همست لي واحدة بمثل عمري أن أهل والدي لا يقيمون عزاءً للكافرين ! وكانت تتحدث لي بانجليزية جيدة ، عرفت فيما بعد أنها “نوف” ابنة عمتي !

كان الليل طويلاً، الكل يحدق بي وأنا لا أدري ماذا أفعل، لم أنم تلك الليلة ولا اليومان بعدهما الذين انتهيا بفراقي عن أخي ماجد .

**

ها هو يوم الجمعة قد أتى، أشارت لي جدتي أن أذهب إلى المطبخ وأعد لجدي كوباً من الحليب!

وشعرت أنها فرصتي كي أكتسب ودهما!

لكن المطبخ كبير جداً وواسع ، والخادمتان تتحركان فيه كثيراً، فتحدثت إليهما بالعربية أني أريد أن أعد الحليب.. ابتسمت الخادمة لي وسحبت كرسياً .. وقالت لي اجلسي.

جلستُ وأنا أراقب حركتها كي تعد ما طلبت، جلستُ أتأملها ، ربما هي بعمر أمي التي رحلت بلا عودة، صرت أفكر هل أخطأ أبي حين تزوج من أمي في فترة ابتعاثه للدراسة ! فأنجب أبناءً بريطانيين سعوديين غير مرحب بهم في دولة أبيهم !

حركت أناملي داخل شعري الكثيف، كي أطرد التساؤلات التي تقرع فكري بعيداً، وكانت الخادمة قد انتهت من كوب الحليب وأعطتني إياه .

حملته وسرت اتجاه الصالة، كانت يداي ترتجفان كلما قصرت المسافة بيني وبين جدي، حتى إذ اقتربت منه زاد اهتزاز يداي وانتقل ارتجافي من يدي إلى الكوب فوقع مني أرضاً وتناثر الزجاج حولي و السائل الساخن علا بخاره حتى صُعقت جدتي وصرخت بالخادمتين وهي تقول: هذه الفتاة لا تحسن شيئاً. بينما دنى جدي مني وأمسك يدي برفق وهو يربت على كتفي ويجلسني إلى جانبه.

نظفت الخادمتان المكان كالبرق، وفي أقل من دقيقة واحدة كان كوب حليب آخر أمام جدي، الذي وضع القرآن من يده وصار يرتشف أمامي.

كان يقول لي : كيف هي بريطانيا ؟ فتسرع جدتي وهي ترد : إنها لا تجيد العربية ، ماذا تحسب ابنك قد فعل ، لقد أنجب كافرين!

تماسكت وقلت لجدي بالعربية الفصحى : إن بريطانيا جميلة وجيدة !

فرأيت وجه جدتي يتبدل مندهشاً واكتفى جدي بالابتسام ثم سألني سؤال آخر : كيف كانت أمك؟

فرددت : كانت امرأة جميلة وطيبة فقد وقع أبي في حبها !

ونفرت جدتي بي : من الذي وقع ؟ من ؟ لقد كانت أمك ساحرة !

كنتُ فعلاً أحافظ على هدوئي ولست غاضبة مما تقوله جدتي لأن والدتي كانت تقول لي كل شيء عن هذه العائلة التي أخرجت والدي من اطارها منذ تزوج بها ! لأنها لست من ذات البلاد ولا الديانة قذفوا بابنهم بعيداً حيث بقي منفياً إلى أن توفى وها أنا قد القاني قدري إلى مربع والدي الأول.

أكمل جدي أسئلته: هل تصلين ؟

  • أجل يا جدي، علمني والدي أنا وماجد الصلوات الخمس .
  • هل كانت أمك تصلي؟
  • لا يا جدي لقد ترك لها والدي حرية الديانة .
  • وأنتم ؟
  • لقد اتفق أبي وأمي قبل زواجهما أن يكون الأبناء على ديانة الأب وهو ما حصل.

وبدا جدي مرتاحاً وكأن أساريره قد فرجت، بينما أمر أسئلة جدي الصباحية لم يرق لجدتي على الاطلاق وكانت تمتعض من رؤيتي أمامها.

مر الوقت سريعاً، حين دوى صوت جرس باب المنزل، لتأتي قافلة من الأبناء و الأولاد و الأحفاد والبنات، وصار قلبي ينبض بسرعة لم أعتد من قبل رؤية كل هؤلاء “الأقارب” و أنا أجهلهم جميعاً، وبقيت أهفو إلى رؤية وجه ماجد، حتى إذ رأيته صرت ألثمُ جبهته بالكثير من القبلات الحارة ، كأن بيني وبينه فراق من مدٍ وجزر.

كان الكُل يمد يده ليصافحني وأنا أبتسم له، إلى أن جلس الجميع على الآرائك وصوبوا بنادق عيونهم نحوي أنا.

ثم بدأ عمي بسؤال جدي : سنعلمهم العربية بشكل جيد، إن الولد الصغير لديه عربية متكسرة، وكثيراً ما يستخدم الإنجليزية!

ليقول جدي : إن رهف  تجيد العربية بطلاقة، وانبهر الجميع، حتى بدأت زوجة عمي فيصل ترمقني بنظراتٍ حادة وهي تقول لي : لماذا جئت إلى السعودية بلا حجاب رأس ؟

ونظر الجميع لبعضهم وجدي مثلهم ليكون أول من يكرر السؤال بصيغة أخرى : هل جئتِ السعودية شبه عارية !

ثم تبدأ زوجة عمي بسكب المزيد من الوقود على الحديث : يعلم الله ماذا كان سيحدث لسمعة العائلة لو أن احداً رآها وهي تحمل اللافتة ومكتوب عليها “رهف السالمي” لقال الناس من متى آل السالمي يتعرون في المطارات!

ولم أستطع أن ألزم هدوئي فبررت : لقد نسيت وشاحي بالطائرة ولم أكن عارية فقد كانت ملابسي محتشمة وفضفاضة جداً .. أنا آسفة لأني نسيت وشاحي.

ويبدو أن حديث زوجة عمي قد راق لجدتي، فازددت احراجاً وشعرت بالدم يتدفق كالشلال تحت جلدي فبدى أكثر حرارة.

كان في المجلس أيضاً أولاد أعمامي وهم كلهم شباب ذوي هياكل كبيرة وضخمة واحدٌ منهم يشبه أبي، عرفت أن أسمه “خالد” وهو ابن عمي الآخر، أما فيصل الذي كان يلاعب ماجد في حضنه فبدا خشناً، فلم يفتأ طوال جلستنا أن يقول لأخي أن لديه شعراً  أشقراً ناعماً كشعر النساء… ثم كان يسترق النظر إليَّ وينظر نظرات ثاقبة.

جاءت الخادمتان بعد قليل من الوقت تطلبان من الجميع الحضور للمائدة، فلاحظت أن الرجال يتوجهون لمجلسٍ آخر، بينما توجهت النساء إلى المائدة في الصالة.

كانت أطباق الأرز كثيرة ومتنوعة، وقبل أن نبدأ الأكل طلبت جدتي منا قراءة الفاتحة على روح أبي، وكنت أستغرب منها أن ترأف به الآن بدعاء!

سمعت نوف تضحك، وهي توشوش أذن عمتي بالكلام، بينما عمتي تلكز كوعها كي تصمت، ولاحظت أنها تنظر إلى يدي كيف تمسك ملعقة الأرز ، فتركت الملعقة وتوقفت عن الأكل بينما استمر الجميع!

وحين انتثروا في أرجاء المنزل بحثت عن ماجد حتى وجدته مع ابن عمي خالد خارجاً في الفناء، فلحقتُ بين وعباءتي تجر نفسها خلفي، وناديت عليه حتى التفت خالد إلي وقد أصبح احمر وجهه فيما بدى انه قد خجل مني فأخذت بيد ماجد ومشيت به.

قلت له :  يا ماجد كيف هذا الثوب الأبيض عليك وهذا العقال، تبدو رجلاً كأبي في الصور أتذكرها ؟

طأطأ برأسه …

  • هل أنت حزين ؟
  • أريد أبي و أمي
  • لقد رحلا يا ماجد ألا تعاملك زوجة عمي فيصل بشكل جيد
  • لا، إن فيصل يلعب بشعري كثيراً
  • أوه، إنه يحبك لذلك يلعب بشعرك
  • لا يا رهف يقول لي أني كالفتيات
  • لا ، انت رجل كأبيك
  • إذن لماذا لا أملك عيوناً بينة وشعراً خشناً وأسود ؟
  • هيا نمشي يا ماجد قبل أن تعود معهم

مسكتُ يده، وسرنا في فناء منزل جدي الواسع وأشعر أن بداخلي كهوفاً قد نبتت وفتحت لها في صدري أبواباً كثيرة، كلها مهجورة، ولا أعرف منها شعلة نور تقودني إلى مستقبل.

في المساء فاحت أرجاء المنزل بالقهوة البيضاء بالزعفران، كانت رهف تجيد صبها للجميع ولاحظت اثناء جلوسي أنها بدأت بالصب لخالد قبل فيصل مما ثار حنقه وجعله يأمرها بأن تصب له فوراً.

ولم تثيرني الأحاديث التي تسردها عماتي وزوجات أعمامي فقد كان ماجد بحضني هو الأهم.

ثم قال لي عمي أبو فيصل : هل ستبقين عند جديك في المنزل؟ في أي صف دراسي أنتِ ؟

قلت له : كنت على وشك الدخول إلى الجامعة فقد قبلتني جامعة “كامبردج” في كلية الطب!

شهق خالد : كامبردج! إنها كلية عريقة

نفر به عمي وهو يقول : ليس لدينا بنات يتعلمون في جامعات غربية !

لقد شل جوابه أملي، ثم قال لي : ابقِ لدى جدتك ساعديها في أعمالها !

ثم قال فيصل : إن نوف تذهب إلى الجامعة !

نظر إليه عمي وهو يقول : ذلك شأن أبيها وليس شأن عمتك!

تذكرت أن شأني لأبي وأبي غادر إذن ليس لي شؤون !

ثم قالت زوجة عمي: أظن أنها لن تلبث طويلاً هنا، فالأحرى أن تجدوا لها عريساً!

صُعقت: من قال أني أريد أن أتزوج ؟

تغيرت وتيرة صوتها  وأصبحت الحروف تخرج من بين شفتيها على وترٍ ناعم، وهي تقول بلهجةٍ إقناعية أن الفتاة مهما بلغت من علمها مصيرها يؤل إلى المطبخ !

كاد عقلي يجن، لكني قلت لها : إن والدتي طبيبة ووالدي كذلك ولم تقضِ أمي عمرها كله في المطبخ!

فضحكت وبان اعوجاج أسنانها، وقد جارينها عماتي في الضحك، فشعرت أني قلت نكتة ما، آثرت الصمت في وسط المهزلة، فقد وعيتُ الآن أن الكل ضدي.

في الليل حين غادر الجميع وبقي فيصل يثرثر مع جدي، توجهتُ إلى المطبخ أبحث في الثلاجة عن بقايا الطعام او ما زاد من الغذاء، لأجدها فارغة ، وأرى سلال القمامة قد امتلأت بكل ما تبقى من موائد اليوم!

لذلك جلستُ على طاولة المطبخ وقد أرخيت وشاح رأسي، ومددت يدي إلى سلة الفاكهة ورحت أقضمُ منها متذكرة  قصة “فلة و الأقزام السبعة”

ثم طرأ على خيالي أن التفاح الذي أقضمه قد سُممَ لي، وأنا الآن أبتلعُ سماً وضعته لي جدتي !

” ههههههه” ضحكتُ بصوتٍ مسموع، ضحكتُ من نفسي، وأنا أرى مصير حياتي قد بدأ بالانهيار !

ثم شعرتُ بيدٍ تلمسُ شعري من الخلف، وتسيرُ على رأسي بانسيابية نحو أسفل ظهري، التفت، لأرى هيكله الضخم خلفي مباشرة ، وأنادي به وأنا أعدل وشاح رأسي ” فيصل!”

فقال لي “هشششش” وهو يضع أصبع سبابته على شفتيه ..ويقترب مني حتى تلامس كفيه شعري فادفعه بكلتا يداي للخلف … وأنا أبتعد قليلاً للخلف لجد من خلفي الجدار

قال لي : أنتِ جميلة جداً وكنتُ أرى شرارة الذئب قد بدأت تقدح في عينيه .. فارتجفت وقلت : ماذا تريد ؟ لكنه أجابني بالاقتراب مني أكثر حيث لا مجال للهرب لأي مكان !

وفجأة، ارتفع صوت جدي منادياً عليه : فيـــصل

فارتجف ورجع وحده إلى الصالة بعدما تظاهر بأنه أتى من أجل كأس ماء !

نظرتُ لأناملي فوجدتها ترتجف، ماذا عساني أفعل الآن؟ هل كان يظن أني ضعيفة إلى الحد الذي يتعدى به عليَّ؟!

لممت نفسي وذهبتُ إلى الغرفة التي أفرغتها الخادمتين لي، كانت رائحة الغبار و الرطوبة ما تزال عالقة بي فتثقل من أنفاسي، لا نوافذ بها فقط جدارن عريضة وطويلة .. طويلة جداً.

رميت نفسي على الفراش  وصرت أدخل في دوامات عقلية تطوف في قلبي  فتجعله يسارع النبض.

كيف لي ألا أعترض على اقتراب فيصل مني إلى هذا الحد.

وجدته بعد قليل يفتح باب غرفتي وهو يقول لي: لقد نام جداي… والخادمتين أيضاً !

وصار يخطو خطوتين ويقترب ويأز على كلامه، وضعت لهما المنوم في الأكواب.. كل العائلة تغط في النوم ثم ضحك..

كنت أرتجف في الزاوية وشيء بي يقول لي: أظهري أظافرك.

كان وجهه يزيد من نضوح عرقه والمسافة تقل وانطوائي في الزاوية يزيد انكماشاً .. لكنه ابتعد فجأة وصار يفرد جناحيه في فضاء الغرفة كأنه نسر كبير سينقض على فريسته الآن وصار يقول لي : سآكلك ثم سيقولون بنت الانجليز تأتِ لعائلة السالمي قذرة … هههههههه ويستمر في ضحكه حتى يتراشق وينقض  عليَّ.. لكني قفزت فوقه ورحت أضرب في بطنه بكل ما لي من قوة، حاولت يداه أن تمسك عنقي لكني كنت في الالتفاف أسرع.

أمسكتُ  وشاحي ورحت ألفه حول عنقه واضغط أكثر حتى جحظت عيناه كثيراً وانتبهت لعقلي ولما تقوم به يداي ..

تركته يتراخى على الأرض، ويتلوى كأفعى تبحث عن بعض الهواء، وهربتُ إلى المرحاض وأخذت هاتفي وأغلقت الباب جيداً ..

جلست على المرحاض وجسدي ينتفض كأن صاعقة كهربائية قد مسته وصرتُ أبكي ، واكتم شهقات بكائي حتى تحشرجست انفاسي وبلغت الحلقوم !

“رهف! أنتِ هنا، افتحي ”

صحوتُ على الصوت والطرق الشديد على الباب ، لأفتح دون وعي وأجد الخادمة أمامي وهي تقول : ماما تبحث عنك!

عرفتُ أنها تقصد جدتي، لكني خفت أن اخرج من المرحاض ربما فيصل لا زال هنا ولفق لي سيناريو آخر!

سألت الخادمة: من في البيت؟

ولما عرفت أن جدتي وحدها هنا، عدلت شعري وخرجت ..

وجدتها جالسة في الصالة تتناول الفطور وهي تقول لي من ينام بالحمام ؟ الانجليز ؟؟! وقد قالتها بنبرة ساخرة ثم مدت لي أطباق البيض و الأجبان وهي تقول لي كُلي لديك يوم طويل اليوم!

  • اليوم ؟ ولم تعر سؤالي أي أهمية واضطرت ان آكل القليل تحت وقع عينيها، و الشك قد بدأ يأخذ من عقلي إن كان فيصل قد أفتى بشيءٍ دون علمي !

جاءت الخادمة لترفع الأطباق، فنظرت إلي جدتي وأنا أنهض عن المائدة ثم قاللت لي : رتبي شكلك بما يليق بعروس !

صرخت: عروس ؟!

أجل، لو كان والدك على قيد الحياة لتمنى الآن أن يرى عقد قرانك اليوم

عقد قران

لا تبدي كأنك مصعوقة أي فتاة مكانك ستود أن ترتبط بشهم مثل ابن عمك

ابن عمي

إنك بلهاء تكررين الكلمات كالبغبغاء

ثم نادت على الخادمتين أن يساعدوني في ترتيب نفسي وتحضيرها

لأجد نفسي تقول في ذاتها ” فيصل الحقير .. الحقير.. الحقير جداً”

كنتُ وأنا أشاهد نفسي أمام المرآة أتذكر التلفاز الكبير في بيت والدي والشاشة الكبيرة حيث كنت أمامها أنبهر بفيلم سندريلا هل أنا الآن سندريلا التي ستسير إلى حتفها وهي صامتة راضخة ولم يمر على وفاة والديها سوى أسبوعين !

ما نوع الغباء الذي يستشري أدمغة هذه العائلة! كيف أزف لمن كان سيعتدي علي الليلة الماضية!

لكني فكرت أن أضع حداً لهذه المسرحية التي يعدونها لي ، وقلت لذاتي فليحدث ما يحدث، سأتخلص من فيصل بطريقتي الخاصة.

عند صلاة العصر، كنت أررى وجهي قد اكتملت زينته كمن يعد وجبة شهية أحسن إضافة توابللها، ثم رأيت باب المنزل يقرع، وصوت السيارات يتوقف في الفناء.

ذهبت إلى غرفتي، وأنا أستمع إلى وقع الخطوات التي تدخل. ورأيت عقال فيصل في الزاوية التي انطويت فيها يوم أمس، شهقت حين رأيته وارتعبت جداً، كيف بقي هنا دون أن يأخذه !

أمسكته وبحثت عن سلة القمامة وألقيت بها العقال وأناملي ترتجف لتأتي في ذات الوقت عمتي تسحبني من يدي وهي تقول الشيخ قد حضر سيعقدون قرانك الآن!

ووجدتها تأخذني بقوة ناعمة إلى الصالة لأجد أخي أعمامي أمامي، وفيصل وخالد أيضاً !

جلست إلى جانب عمي أبو فيصل وكان رصيد النيران في صدري يزداد قيمة واشتعالا ولهيبا يكاد يخرج من حلقومي لأصرخ في هذه العائلة، وكل الجثامين الجالسة فوق المقاعد أمامي لتقرر مصير حياتي.

ولكني سمعتُ الشيخ يسألني إن كنتُ موافقة على الزواج من خــــالد!

خالد! صدمتُ وبقيتُ للحظات لا أنطق قبل أن يتجرأ عمي أبوفيصل  وهويقول إني وليها وسكوتها علامة الرضى!

رفعتُ رأسي، لأجد عيناي فيصل تقتنصان بصري ببنادق طويلة كأنه يريد أن يفجر لي دماغي بينما خالد مبتسم جداً .

لوهلة ظننت أنني في كابوس طويل الأمد قبل أن يودع أعمامي الشيخ إلى أن خرج من المنزل تماماً وأتت عمتي لتصحبني عند الحريم!

وجدتُ نوف جالسة وقد بدا لي أن موضوع عقد قراني لم يرق لها فإذ بها تقول وهي توجه كلامها لعمتي: هل هذا وجه عروس !

  • مهلاً عليك يانوف ، البنت لم تستوعب بعد ما معنى أن تخطب خالد !
  • إذاً عليكم أن تفهموها بسرعة

قلتُ وأنا أتجرأ في قولي : انتظروا ما الذي حصل منذ الأمس كيف قررتم دون علمي !

  • كل الاتفاقات تجري بمكالمات هاتفية كما أن خالد طلبك بنفسه!

عندما عرفتُ ذلك خجلتُ أن اكمل دائرة استفساراتي، ولكن ماذا عن فيصل؟

إن كنتُ سأبقى في دائرة هذه العائلة فإني سأبقى أراه طول عمري ، كيف كاد يأكلني في الأمس وكيف كدتُ أقتله فغاب عن وعيه قليلاً ! إني سأبقى أرتجف منه

أتت جدتي وهي تقول لي : أين شارد ذهنك ؟ إن خالد ينتظرك في غرفتك !

  • غرفتي !
  • أجل يريد أن يحادثك ام انكِ لم تحدثين رجالاً من قبل كالانجليز!

لم أشأ أن أرد عليها لكن عمتي وخزتني لأطاوعها ، فيبدو أن الجميع على معرفة بقدرة جدتي على شحن الأجواء التي تتواجد بها بكل سهولة.

على الكرسي الواسع  كان يجلس خالد والوقار يتقاطر من هيبته، بشرته قمحية صافية، وعيونه كأنها آخر ما بقي من العسل ، انعكاس وجهي في بؤبؤيه جعلني أفقد تركيزي لوهلة قبل أن أسمعه يقول لي :

لا تتفاجئي كثيراً بي، سوف أصونك من كل أذى قد يصيبك هنا.

إنني منذ الأمس عاهدت الله أن أتقيكِ فيه أنت وأخيكِ ، لا تقلقي مما تقوله جدتي، حين تصبحين معي، سأعود بكِ من حيث أتى أبوكِ.

رفعت رأسي وعلا صوتي وأنا أسأله : ماذا تقصد ؟

قال لي : صه، لا تخبري أحداً، سأدرس في بريطانيا وأنتِ أيضاً

لأول مرة منذ ولجتُ من أبواب عائلة السالمي أشعر أن الله قد وضع بينهم قنديلاً يخرجني من بين أنيابهم وأسيافهم الطويلة التي شهروها في وجهي منذ أتيت، لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة أمام كُرمٍ ما نطق به خالد لكن دموعي كانت أسرع رداً من أي حرف.

رأيته يقترب، يخرج شيئاً من جيبه ويلمس بشرة وجهي لأرتعش وأسمع صوت عمتي تنادي عليه ليخرج!

بقيت طوال أيام الأسبوع التي مضت أفكر فيما قاله خالد ، وكيف استطاع فيصل أن يبتعد عن بيت جدي حتى الآن لم يطرق باب المنزل ولم يأتِ قط.

علّه شعر بالندم، أو مات اغتياظاً حين سبقه خالد إليَ. ما كنتُ أظن أن بوسع خالد أن يكون حبل نجاتي في الوقت الذي ظننت أنني سأغرق فيه وربما ارتكب جريمة قتل توديني في سجون السعودية .

نظرتُ للرزنامة، التاريخ يشير إلى نهاية أغسطس، وهو ما يعني أن موجة الحر بدأت تخف وتساءلت لماذا لم أخرج منذ أتيت إلى هذا المنزل لم أعلم منه سوى فناءه، لكن مع من سأخرج!

ثم قلتُ إن نوف فتاة في مثل عمري لا بد أنها تخرج كثيراً وتعرف الكثير من الأمكنة الممتعة وما وجدت نفسي إلا أن أتصل بها وأخبرها برغبتي للخروج لأسمعها تشهق على الهاتف ثم تقهقه وتخبرني أنها ستأتي في المساء! وقبل أن تنهي حديثها قالت أخبري جدتي أولاً.

امتعضت! لماذا أخبر جدتي ؟ في كل شيء، ولا بد أنها سترفض.

كانت الساعة الواحدة ظهراً وفي مثل هذا الوقت تعد الخادمتان طعام الغذاء فذهبت إلى المطبخ لأجد جدتي تكيل البهارات فوق ” أرز الكبسة” فهي لا تثق بمعايير الخادمتين !

_ هل أساعدك يا جدتي.

بقيت صامتة ولم تنظر إلي نظرة واحدة لأظل واقفة إلى جوارها، حتى قالت لي: هل يوجد شيء؟

فرددت بلا خوف: سأخرج مع نوف في مساء اليوم، وأخذت تفاحة عن الطاولة في المطبخ وخرت قبل أن أسمع جوابها.

فتحت خزانتي، لم أجد بها سوى العباءة السوداء التي ألقيت بها زوجة عمي على أكتافي يوم أتت بي من المطار، أما باقي الخزانة فكلها ملابس فضفاضة وواسعة جداً.

ارتديت عباءتي، وكان وجهي يخرج كالبياض الوحيد وسط سواد ما أرتديه، بدوت هائلة كلوحة موناليزا ، فوجدت الرهبة تتسرب من عيني … خفت من تفكيري .. وجلست على حافة السرير أنتظر للوقت أن يمضي باتجاه موعد مجيء نوف ومن ثم يمضي حتى موعد التقاءي بخالد إلى الأبد.

عند الساعة السادسة مساء أتت نوف، وقبلت وجنتي جدتي قبل أن تؤكد لها أننا سنخرج إلى مركز التسوق ولن نتأخر كثيراً.

كانت نوف ترتدي عباءة ذات لون بني غامق، وحقيبة على ما يبدو من جلد التمساح وكانت تسير أمامي كما تمشي عارضة أزياء محترفة، فتحت باب السيارة ودخلت ثم تبعتها وتحرك محرك السيارة سريعاً.

رفعت رأسي لأجد السائق هو فيــــــــصل ، ليضطرب نبضي وتتسارع أنفاسي وينتهي الأكسجين من الهواء، ثم قلت لنوف بصوت خفيض : إلى أين سنذهب؟ فضحكت حتى بانت أنيابها

ثم تعثرت الحروف منها وهي تقول لي : يبدو أن بريطانيا لا تحتوي على مراكز التسوق

أسكتُ نفسي عن الكلام وبقيت ألمح فيصل ينظر إلي عبر المرآة كل فينة وأخرى ، فاستندت رأسي على زجاج النافذة كي أتلاشى بريق السفاح في عينيه، ألا يبدو الخوف متكتلاً فيه، ألا يخاف أن أشي به إلى خالد !

توقفت السيارة، ونزل فيصل ليفتح لي وهو يقوللي : تفضلي !

بينما بدا الآن مختلفاً ليس هو نفسه الذي تهجم علي وأراد أن يتذوق لحمي ويمضغه، كيف لوجهه الآن أن يأخذ ملامح طفل يريد أمه!

ربما ندم، أو ربما يريد مني أن أنسى وأسامحه … ولذلك لم أستمتع بالسير خلف نوف في مركز التسوق فقد بقي فيصل خلفي إلى أن انقضى المساء كله ولم أشترِ شيئاً مما رأيت، فقد كان يكفي جميع ما صرفته نوف من أموال فيصل !

عندما وصلنا منزل جدتي أنا ونوف، وجدت خالد هناك، ولم أكن أجرؤ على النظر في عينيه فقد كان الغضب يلمع خافتاً فيهما… وأشعلت نوف الأجواء سريعاً بثرثرتها من أنني لم أشترِ شيئاً وأنا العروس ولست هي ليتحول وجه خالد فوراً إلى الأحمر القاني.

نظر إلي ثم قال : لو أخبرتني برغبتك بالخروج لأتيت لأصحبك… قاطعته نوف… لا عليك اتصلت على فيصل وقد أوصلنا…

نظر خالد إلي بدهشة  وظل صامتاً ثم نادت جدتي على الخادمة لتعد القهوة!

مرت ثوانٍ كان الجميع صامتاً وجعلني هذا الصمتُ أسترخي في مقعدي بينما كان خالد يواصل النظر إلي وأنا كمن لا يعرف!

اخترقت أيدي الخادمة هدوئنا المسائي حين مدت القهوة إلينا ووزعتها علينا واحداً واحداً، لنسمع صوت جدي يدخل ويتفاجأ بجمعتنا فيبستم مردداً : يا هلا .. يا هلا..

نهض خالد ليقبل جبينه، ثم جلس جدي وصار هاتفه المحمول يرن …

  • السلام عليكم
  • وعليكم السلام … ..

وبعد ذلك لم نر من وجه جدي سوى الذهول ثم دمعة تترقرق ونهوضاً أخذ به جسده خارج المنزل وتبعه خالد وهو مصعوقاً مما كان ..

لقد خافت جدتي وكذلك نوف ، بينما أنا كنتُ أضطرب من الخوف، فوجه جدي لم يكن ينبئ بالخير !

بعد ساعة، اتصل خالد بي وقال : مات فيصل بحادث سيارة!

سقطتُ على الكرسي، وأخذت نوف تستفسرني وأنا ألهث لها : فــيـــ — ص—ل مات!

وصارت تصرخ : لالالالالا.. كيف .. وصلنا قبل قليل !

كنتُ أبكي وجدتي تنقبضُ على بعضها في كرسيها وهي تولول ليكون البيت كله عزاءً في اليوم التالي !

مضت الثلاثة أيام وأنا أفكر كيف كان يسر خلفي، أجعله ندمه يقود السيارة مسرعاً متهوراً مختاراً الموت على ألا أفضحه في عائلته؟ بماذا كان يفكر ؟ هل انتحر وجعل سيارته تصطدم بحاجز الجسر عمداً .

لقد فقد عمي أبو فيصل عقله بغياب ابنه الكبير، هل أنا السبب ؟ منذ أتيت لم أرَ خيراً ربما أكون لعنةً لهذه العائلة.

ظللت أفكر إن كنتُ لعنةً أم لا، وهل يستحق خالد أن أكون زوجته التي يشفق عليها في وجودها بهذه العائلة ؟

ولأن ضميري بقي يؤنبني لأسبوع كامل لم أجد فيه للنوم طعماً، قررت أن أودع الجميع دون عودة.

اتصلت على خالد بعد وفاة فيصل بأسبوعين قلت له : أريد أن أرى أخي، مشتاقة له، هل لك أن توصله لينام عندي ليلتين.

وكعادته كان خالد رحيماً بي حتى إذ جاء أخي أخذته بين يدي وأنا أعده أنني لن أتركه طوال حياتي.

في الليلة الثانية، تدبرتُ أمري إلى مطار جدة، بينما تركتُ جداي في نومٍ عميق، وحين ركب أوشكت الطائرة على الإقلاع أرسلتُ لخالد رسالة طويلة، ثم حطمتُ شريحة هاتفي، وبقيتُ أبكي طوال الرحلة.