الخبر الأزرق

دخل محل الجاتوه ليختار قالباً متميزاً يليق بزوجته سلمى فاليوم عيدُ ميلادها السابع والثلاثين وهي تبدو في نظره كل يوم

أجمل، لمحه صاحب المحل محتاراً بين رفوف العرض فسأله عما يريده بالضبط.

فقال متوتراً : اليوم عيد  ميلاد زوجتي وأريد قالباً متميزاً ويا حبذا لو كان به بعض اللون الأزرق فهي تحب هذا اللون.

ابتسم صاحب المحل واختفى قليلاً ثم عاد بثلاثة قوالب كان كل واحد منها أجمل من الآخر، وكي لا يحتار أحمد فيما سيختار

اقترح صاحب المحل أن يأخذ القالب الذي على شكل قلب فوافق فرحاً.

وضع القالب في الكرسي الأمامي بجانبه وأشغل محرك السيارة وانطلق نحو رياض عباد الرحمن.

تذكر وهو يقود يوم قابل مدير الرياض وأقنعه بعد جهد منه أن يوظف زوجته، ثم تذكر كلام الطبيب وهو يقول له أن احتمالات انجابه معدومة، يومها توسل للطبيب أن يقول لزوجته أنها لا تنجب كي لا تتركه… فهو يحبها كثيراً وتخيل نفسه ميتاً من دون وجودها.

الآن تمرُ عشر سنوات على زواجهما وسلمى راضية به وتنظر له كل يوم بعينٍ من التقدير وهي تزرر له أزرار قميصه الأزرق وتقول

له أنه يبدو أميراً كل يوم إذ لا تظهر عليه علامات الكبر أبداً.

ثم تحدثه عن فوائد عدم الإنجاب تقول له: لو كنا قد أنجبنا ليعلم الله كم شيبة وجدت في رؤوسنا وكم من عظمةٍ تحللت من

أجسادنا، إن تربية الأطفال مضنية، وصديقتي خولة يا أحمد تتذمر لي كثيراً من أبنائها الثلاثة ،  فهي لا تنفك تدور حولهم كل ثانية

كي يهدأوا قليلاً وألا يقلبوا البيت رأساً على عقب.

حدثتني خولة مرة أن أبنائها الثلاثة قد مرضوا مرة واحدة فبقيت ساهرة عليهم لثلاثة أيام متواصلة لم تذق بها نوماً ولا طعاماً.

هل ترى الآن يا أحمد  أن عدم إنجابنا نعمة ليذهب كل واحد منا نحو طموحه، فأنا ممتنة لك لأنك دبرت لي وظيفة طالما حلمت

بها في رياض أطفال، وأنت الآن مدير شركة مرموقة وذو مرتب عالي… لكن إياك أن تفكر بأن تتزوج بمالك من امرأة  أخرى .. ها… !

وكانت تضحك وهي لا تعلم أنه متيم بها حد الجنون الذي جعله يرشو الطبيب كي يخبرها أنها هي العاقر وليس هو.

كان ضميره يشتعل بعد كل هذه السنين مؤنباً، يصرخ فيه بأن عليه أن يصحو ويخبرها الحقيقة كاملة مكتملة كما البدر، لكنه فتح

باب سيارته ونزل متوجهاً نحوها ليجدها جالسة وسط الأطفال تصفق وتنشد معهم كأنها بذات عمرهم.

صرخ الصغار : لقد أتى العم أحمد …

ويتركونها ويتسابقون إليه فيضع القالب من يده بعيداً ويحضنهم كلهم حضناً واحداً عميقاً .

لم تكن سلمى تتوقع منه أن يأتي وخاصة أن صدرها ما زال يحمل نيرانا جراء خلافهما الأخير، وظنت أنه بالفعل قد تركها وروحها

دون أن يأبه لرنين كلماته في صدرها.

اقترب منها وهمس لها ورموشه يتقطر منها الأسف : كل عام وأنت بخير يا سلمى .

ثم وضع بين يديها قالب الجاتوه ونادى الأطفال لينشدوا لمعلمتهم أنشودة الميلاد، امتلأت عينا سلمى بالدموع وهي ترى مدى

عناية أحمد بانتقاء القالب المناسب لذوقها .

شكرته بلطف بينما كان الأطفال مستمرون بالنشيد وحناجرهم مشدودة وأعناقهم متقلصة يريدون الانتهاء كي يتذوقوا القالب

الذي أمامهم.

في ربع ساعة كان المكان ممتلئ تناول الحلوى والكيك حتى مديرة رياض الأطفال شاركت سلمى يومها وقالت لأحمد أنها سوف

تسمح لسلمى بترك دوامها كي تخرج معه .

ففرحت سلمى لهذا الاقتراح بينما كان في صدر زوجها أموراً أخرى تجعل نفسه يضيق ونبض قلبه يتسارع.

اصطحبها نحو أحد  المطاعم الفاخرة التي تقع على طريق المدينة الرئيسي، وكان قسم العائلات خاوياً إلا منهما، أتى الجرسون

وسألهما ما يريدان فسأل أحمد زوجته فقالت له سلمى كما تريد أنت .

طلب طبقين من الدجاج مع الأرز ونوعين من السلطة وكوبي عصير، وحين ذهب الجرسون نظرت له سلمى بعينيها الثاقبتين

وهي تسأله : من متى أصبحت تطلب عصيراً ؟ أين البيبسي.

فاضطرب وتغير لون وجهه وشعرت بذلك فسألته إن كان بخير … وأكد لها ذلك.

كانت سلمى وهي تهضم الطعام تنظر بطرف لحظها إليه، فترى اهتزاز يديه واضطراب جلوسه، وأيقنت أنه ليس بخير وأكدت لنفسها بأنه قد ندم أشد الندم على ما تفوه لها به الأسبوع الماضي لكن كبرياءه يمنعه من الاعتذار المباشر لها .

أمسكت يده وهمست له : لا عليك مما حصل بيننا الأسبوع الماضي فذلك فيما مضى، أكمل طبقك فيسعدني أن أراك بخير.

بقي جامداً اكتفى بأن يومئ لها رأسه.

اقترح عليها أن يذهبا للمنزل فهو يشعر بالتعب الشديد، وذلك جعلها تتوتر أكثر، لأن أحمد لا يبدو لها فعلا على ما يرام.

كانا يصعدان الدرج معاً نحو شقتهما على الطابق الثالث، لكن أحمد استند على الجدار فجأة وبدأ يلهث كثيراً، ارتجفت سلمى من

رؤيته يبلغ هذا الحد من الإرهاق فأمسكت به من تحت ابطه وأصعدته معها حتى وضع كل ثقل جسده عليها ولما وصلا الشقة

فتحت الباب ووضعته على الأريكة ومن ثم خلعت له نعليه وفتحت النوافذ كلها حتى بدأ يسترد أنفاسه.

وجعلته يشرب قليلاً من الماء من بين يديها قبل أن يضع الكأس بنفسه على الطاولة الزجاجية المجاورة وهو يقول لها سأقول لكِ أمراً

وقد بدت متعجبة من حاله لكنها أصغت إليه…

” إنني يا سلمى لا أستطيع أن أعيش دونك لحظة واحدة”

حين سمعت سلمى كلامه هذا أدركت أن لحديثه منحى آخر وقد كان حدسها صادقاً إذ أخبرها كيف أن الورم السرطاني الخبيث

قد بدأ ينتشر في صدره وهو في أيامه الأخيرة، وكيف أن الطبيب في المستشفى أخبره أن يعد نفسه للموت جيداً منذ الآن .

اعترف لها أنه كان أنانياً جداً حين فكر بنفسه فقط ولم يخبرها الحقيقة .

ظنت سلمى أنه أخفى عنها حقيقة مرضه فقبضت على يديه وهي تبكي كأنها تقبض على الجمرة الأخيرة التي تدفء صدرها.

كأنها ترمقه  رمقة سوف تأخذه من الأرض نحو السماء … وقطعت كل السبل لتفكيرها حين بدأت تلاحظ شفتي أحمد تنبسان

باسمها … سلمى …. سلمى .. هل تسامحيني

  • أسامحك بالطبع

لكنه بدأ يقول لها : الحقيقة يا سلمى أنني عاقر وليس أنتِ ذلك  الذي أخفيته منذ عشر سنوات والله يعاقب كتمان صدري الآن

بورمٍ يستبد فيه.

فقالت  له وهي تبكي : أعلم !

فحمل جسده وحاول الجلوس على حافة الأريكة معتدلاً بينما اغتالت الدهشة ملامح وجهه كلها وهو يسألها تعلمين ؟! كيف؟

لقد سمعتُ حوارك مع الطبيب من خلف الباب يوم قلت له : إني متيم بها ولا حياة لي بدونها !

ماذا عساني أريد أكثر من قلبك ؟ يا أحمد … أرجوك ألا تفكر بأن  تتركني

 

فما كان منه إلا أن خر على الأرض باكياً عند قدميها وأحنت جذعها فوقه وبكت مرضه بينما بكى  عظيم رحمتها به.