التعاطف المنفر

التعاطف المنفر

عندما نشاهد فيلما رومانسيا نتأثر . . عندما نقرأ قصة ماساوية نتأثر.. عندما يحكي لنا أحدهم موقفا مر به نتأثر.. عندما يمر الأصدقاء بظروف صعبة نتأثر.. عندما نختلف مع الأحبة نتأثر.. عندما يخفق أولادنا في دراستهم نتأثر.. وهكذا تاتي سلسلة التأثرات التي تحرك مشاعرنا عبر الأيام .. وهذا ما نسميه التعاطف مع الآخرين نتعاطف مع المريض .. ومع المطلقة .. والأرملة .. نتعاطف مع من خسر تجارته .. ومن فقد عزيزا.. نتعاطف مع كبير السن ومع الصغير.. نتعاطف مع من يمر بأزمات عاطفية ونتعاطف مع المجتمعات المنكوبة .. والمدن التي
دمرتها السيول ..

التعاطف المنفر
التعاطف المنفر

.. فنحن نتفاعل مع احداث الحياة ونتعاطف مع الآخرين .. وهي من مظاهر النظام العاطفي لدى الإنسان .. تحدث نتيجة رؤية أو سماع خبر ما.. أو موقف ما يثير الحزن أو الشفقة أو الندم ..

فتبدأ مشاعرنا بالتحرك نحو الآخر.

درجة التعاطف تختلف من شخص لآخر.. ومن مرحلة عمرية لأخرى في حياة الفرد.. بل وتختلف بين المرأة والرجل .. وتختلف بحسب ثقافة الشخص ومدى
عمق نضجه في الحياة .. فثقافة الإنسان تلعب دورا كبيرا في مدى تعاطيه لعناصر المنظومة العاطفية .. ولا اقصد بالثقافة هنا كم المعلومات المخزنة في
الدماغ ، بل هي أثر معارف الإنسان على سلوكياته ونمط أفكاره .. فتجد أن هناك فئة من الناس تتشدق بكثرة المعلومات لديها.. لكنهم في واقع الحياة يتعاملون مع الناحية الإنسانية بشيء من السطحية وعدم المراعاة .. بل وقد يجهلون كيفية
التعامل مع مشاعرهم والمواقف.

فالتعاطف من المظاهر الإنسانية التي تدل على سلامة الصحة النفسية للإنسان وعلى
مدى نضج ثقافته وفطرته الإنسانية .. وفي هذه المسالة عدة جزئيات مهمة .. قد
تكون غائبة عن الأ ذهان وقد تسبب عوائق لصاحبها وللآخرين.

أولا: الانغماس في التعاطف لاشك انه أمر سلبي يؤدي إلى استنزاف المشاعر والطاقة العاطفية .. فتجد هناك بعض الأشخاص الذين يغوصون في التعاطف
مع الآخرين ومع الموأقف.. ويبقى الموقف في ذاكرتهم لفترة طويلة ويبدأون باجترار آلام غيرهم ليل نهار.. فيحكون القصص ألمأساوية .. ويبدأون بالبكاء الداخلي ويشعرون بالحسرة والألم المتواصلين بسبب آلام الغير.

وجدير بالذكر هنا أن هؤلاء يعتقدون أن هذا الانغماس في هموم الآخرين والإفراط في التعاطف معهم هو دليل
الاهتمام والحب ؟

فالأ م التي تتعاطف مع أبنتها المطلقة إلى حد انها تعيش هذأ الألم بشكل مضاعف .. ويبدأ الحزن يتأصل في قلبها.. وتعيش اجترار الحسرات وتصاب بالصداع والأرق .. وتبدا مفردأتها بالميل نحو التشاوم وتكثر آهاتها وزفراتها.. ومن هنا تبدأ بالخلاف مع أبنتها المطلقة ومع الخادمة ومع الزوج .. فتنشأ في قلبها بذرة
الرفض لهذا الوضع وتعبر عنه بحالة الغضب والنقمة على الآخرين.

مثل هذه الأم انغمست بطريقة غير صحية في مشكلة ابنتها.. تعاطفت معها بشكل خاطئ؟ حيث كان الأجدر بها أن تتقبل هذا الوضع بشيء من الرضا والعقلانية وتوجيه الابنة المطلقة نحو استثمار الوقت والطاقات في إعادة ترميم نظامها العاطفي .. ومساعدتها على اجتياز هذه المرحلة بإعطائها المساندة والنصح وتقديم المشورة والحب .. وتدعيم الثقة بالنفس لديها.

هنا تكون الأم تعاطفت مع ابنتها المطلقة تعاطفا بناء سليما وتكون قد تعاطفت بعقلانية وليس بسلبية .. فالأم هنا
كانت عاملا مساعدا ولم تكن معولا هادما لنفسية الابنة.

إن التعاطف الجارف يؤدي بصاحبه إلى مهاوي الآلام النفسية والجسدية ، علاوة على ذلك يجعل الشخص مصدر إخفاق وأزعاج للآخرين ، فكن متعقلا في تعاطفك مع الآخرين .. فمدى حبك لهم يكمن في مساندتهم وتقديم المساعدة لهم لا في اجترأر آلامهم .. فإن كنت تعتقد أنك بانغماسك في التعاطف مع الآخرين إنما تثبت حبك وأهتمامك فاسمح لي أن أقول لك بائك لست على صواب , فهذأ في ما بعد سيشعر من حولك بالضجر منك
لأنك تستنزف مشاعرك ومشاعرهم … وأظهار الحب لهم والتعاطف معهم في مساعدتهم على أجتياز الآمهم وتقديم
المساندة والدعم النفسي والعاطفي.

ثانيا: المبالغة في تصغير الآم الآخرين لها أثر سلبي على صحة توأصلك معهم .. فهناك من يقدم تعاطفه للآخرين بان يبالغ في تصديق الألم والموقف ويحوله بالفاظه من مشكلة حقيقية تستحق الوقوف عندها إلى حدث عابر يجب ألا يلقى الاهتمام والاكتراث .. نعم فالبعض يلجا لهذه الطريقة .. طريقة تصغير الأمور ولكن بطريقة خاطئة ؟ فهي تجعل الطرف الآخر يعتقد أنك تتهمه بالإفراط في ألاهتمام أو أنك تستصغر مشاعره .. ومثال على ذلك ما يفعله الآباء
والأمهات تجاه المشكلات الزوجية لحياة أبناثهم .. فعندما يشكو الابن المتزوج لوالدته أو والده بعض مشكلاته الزوجية . . تجد الوالدين من باب التعاطف . . يقومان بتهوين الأمر لدرجة تجعل هذأ ألابن المتزوج يحتار في مشاعره ..

أو تجعل الابنة التي تعاني شقاقا حقيقيا مع زوجها في حيرة من أمرها.. وما هو شائع في مثل هذه الحالات ، والذي كثيرأ ما نسمعه على لسان الامهات ، أن الأم تقول لابنتها المتزوجة “إنه زوجك واحمدي الله تعالى أنه ليس كزوج فلانة أو فلانة .. وأحمدي الله أنه يعطيك مصروفك ويرجع في نهاية اليوم ليبيت بجانبك .. مثل هذا الكلام مع صدق نوأيا الأم في إظهار التعاطف بشكل سلبي من عدم بحث حقيقة الشكوى والنظر في أسبابها ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها فهي فقط تصغر وتصغر الأمر إلى حد أنه يعد من توأفه الأمور.. مثل هذا الكلام يجعل الكثير من الأبناء المتزوجين يصدون عن مناقشة مشكلاتهم الزوحية مع أهلهم ووالديهم .. ومن هنا قد يتلقون النصائح غير السليمة التي تفاقم الأمور سوءا.

فعندما تود تصغير حجم مشكلة ما.. تعاطفا منك مع الآخر عليك أولا أن تحسن ألاصغاء.. فهذا يعد دعما نفسيا ممتازأ ويعطي للآخر انطباعا أكيدأ بمدى حبك وأهتمامك به .. ثم قدم كلمات التعاطف الهادئة مثل “انا أشعر بمدى حزنك .. أنا أقدر أنك مستاء من هذأ الموقف .. أنا أتفهم حجم المشكلة التي تعانيها” ثم تبدأ بتبسيط المسألة وليس بتصغيرها إلى حد التفاهة .. وابتعد تماما عن بعض المفردأت والجمل المحبطة مثل “مشكلتك هينة .. ماذأ
ستفعل لو كنت مكاني .. أنا أعاني من مشكلات أضعاف ما تعانيه “.. أو أن تقول ” أنت لم تر من الأيام والحياة شيئا.. مشكلتك هذه أعتيادية “.. فمثل هذه الجمل تجعل الطرف الآخر يشعر بأن كلماته لم تلق الصدى لديك .. بل قدم أولا جمل التعاطف الهادنة .. ثم قدم الحلول التي تراها مناسبة لمساندته ومساعدته ومؤأزرته.

.. إن التعاطف مع الاخرين فن من فنون التوأصل يحتاج لثقافة وحرفة ودرأية.. يحتاج لحس إنساني عميق .. يحتاج لمهارة إنسانية في التعامل. التعاطف العقلاني الايجابي يزيد العلاقات دفئا وحميمية ..
ويزيدها قوة وتألقا.. وضعف التعاطف أو التعاطف السلبي قد يؤدي بالعلاقات إلى هوة الفتور والبعد.. ثم النفور..

إنها مسألة حساسة جدأ.. فهي من الأمور التي تحدد متانة العلاقات .. بل تكشف صدق محبتك .. فالتعاطف العقلاني
ألايجابي يجعل منك قطبا يدور حوله كل من يعاني ألما من أقربانك أو أصدقائك.

.. راجع الآن مواقفك وطريقتك في التعاطف مع الآخرين .. هل أنت متعاطف عقلاني .. أم مفرط في
الانغماس في هموم الآخرين .. صثف موأقفك.. فقد يكشف لك هذا بعض الاستفهامات العالقة في ذهنك .. عن
سبب فتور أو ضعف بعض العلأقات.

التعاطف المنفر بقلم : د.مريم باقر منقول بتصرف ..